الخميس، 19 نوفمبر 2009

معاذ بن جبل (رضي الله عنه)



«أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل»

لما أشرقت جزيرة العرب بنور الهدى والحق، كان الغلام اليثربي معاذ بن جبل فتًى يافعاً. وكان يمتاز عن أترابه بحدة الذكاء، وقوة العارضة، وروعة البيان، وعلو الهمة. وكان إلى ذلك، قسيماً وسيماً أكحل العين جعد الشعر براق الثنايا، يملأ عين مجتليه ويملك عليه فؤاده. أسلم الفتى معاذ بن جبل على يدي الداعية المكي مصعب بن عمير. وفي ليلة العقبة امتدت يده الفتية فصافحت يد النبي الكريم وبايعته... فقد كان معاذ مع الرهط الاثنين والسبعين الذين قصدوا مكة، ليسعدوا بلقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويشرفوا ببيعته، وليخطوا في سفر التاريخ أروع صفحة وأزهاها... وما إن عاد الفتى من مكة إلى المدينة حتى كوّن هو ونفر صغير من لداته جماعة لكسر الأوثان، وانتزاعها من بيوت المشركين في يثرب في السر أو في العلن. وكان من أثر حركة هؤلاء الفتيان الصغار أن أسلم رجل كبير من رجالات يثرب، وهو عمرو بن الجموح.

كان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سلمة، وشريفاً من أشرافهم. وكان قد اتخذ لنفسه صنماً من نفيس الخشب كما كان يصنع الأشراف. وكان شيخ بني سلمة يعنى بصنمه هذا أشد العناية فيجلله بالحرير، ويضمخه كل صباح بالطيب. فقام الفتيان الصغار إلى صنمه تحت جنح الظلام وحملوه من مكانه، وخرجوا به إلى خلف منازل بني سلمة، وألقوه في حفرة كانت تجمع فيها الأقذار... فلما أصبح الشيخ افتقد صنمه فلم يجده، وبحث عنه في كل مكان حتى ألفاه مكباً على وجهه في الحفرة غارقاً في الأقذار فقال: ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة؟! ثم أخرجه وغسله وطهره وطيبه وأعاده إلى مكانه وقال له: أي "مناة"، والله لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيته... فلما أمسى الشيخ ونام تسلل الفتية إلى صنمه وفعلوا به ما فعلوه في الليلة السابقة... فمازال يبحث عنه حتى وجده في حفرة أخرى من تلك الحفر... فأخرجه وغسله وطهره وعطره وتوعد من عدوا عليه أشد الوعيد... فلما تكرر ذلك منهم استخرجه من حيث ألقوه، وغسله... ثم جاء بسيفه فعلقه عليه وقال يخاطبه: والله إني ما أعلم من يفعل بك هذا الذي تراه... فإن كان فيك خير -يا مناة- فادفع عن نفسك... وهذا السيف معك... فلما أمسى الشيخ ونام، عدا الفتية على الصنم وأخذوا السيف المعلق في رقبته وربطوه بعنق كلب ميت وألقوهما في حفرة من تلك الحفر، فلما أصبح الشيخ جد في طلب صنمه حتى وجده ملقًى بين الأقذار مقروناً بكلب ميت منكساً على وجهه. عند ذلك نظر إليه وقال:
تالله لو كنت إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قَرَن [في قرن: مربوطاً في حبل واحد]. ثم أسلم شيخ بني سلمة وحسن إسلامه.

ولما قدم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) على المدينة مهاجراً، لزمه الفتى معاذ بن جبل ملازمة الظل لصاحبه، فأخذ عنه القرآن، وتلقى عليه شرائع الإسلام، حتى غدا من أقرأ الصحابة لكتاب الله، وأعلمهم بشرعه... حدث يزيد بن قُطَيْب قال: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى جعد الشعر قد اجتمع الناس حوله. فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ. فقلتُ: مِنْ هذا؟! فقالوا: معاذ بن جبل. وروى أبو مسلم الخولاني (أحد كبار التابعين) قال: أتيت مسجد دمشق؛ فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا، كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى، فقلت لجليس لي: من هذا؟! فقال: معاذ بن جبل.

ولا عجب فمعاذ رُبِّيَ في مدرسة الرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ نعومة الأظفار وتخرج على يديه، فنهل العلم من ينابيعه الغزيرة وأخذ المعرفة من معينها الأصيل، فكان خير تلميذ لخير معلم. وحسب معاذ شهادة أن يقول عنه الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل»، وحسبه فضلاً على أمة محمد أنه كان أحد النفر الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ولذا كان أصحاب الرسول إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هيبةً له وتعظيماً لعلمه.

وقد وضع الرسول الكريم وصاحباه من بعده هذه الطاقة العلمية الفريدة في خدمة الإسلام والمسلمين. فهذا هو النبي عليه الصلاة والسلام يرى جموع قريش تدخل في دين الله أفواجاً بعد فتح مكة. ويشعر بحاجة المسلمين الجدد إلى معلم كبير يعلمهم الإسلام، ويفقههم بشرائعه، فيعهد بخلافته على مكة لعَتَّابِ بنِ أُسَيْدٍ، ويستبقي معه معاذ بن جبل ليعلم الناس القرآن ويفقههم في دين الله.

ولما جاءت رسل ملوك اليمن إلى رسول الله صلوات الله عليه، تعلن إسلامها وإسلام من ورائها، وتسأله أن يبعث معها من يعلم الناس دينهم انتدب لهذه المهمة نفراً من الدعاة الهداة من أصحابه وأمر عليهم معاذ بن جبل (رضي الله عنه).
وقد خرج النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يودع بعثة الهدى والنور هذه... وطفق يمشي تحت راحلة معاذ... ومعاذ راكب... وأطال الرسول الكريم مشيه معه، حتى لكأنه كان يريد أن يتملى من معاذ... ثم أوصاه وقال له: «يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا... ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري...». فبكى معاذ جزعاً لفراق نبيه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه، وبكى معه المسلمون. وصدقت نبوءة الرسول الكريم فما اكتحلت عينا معاذ (رضي الله عنه) برؤية النبي عليه الصلاة والسلام بعد تلك الساعة... فقد فارق الرسول الكريم الحياة قبل أن يعود معاذ من اليمن. ولا ريب في أن معاذاً بكى لما عاد إلى يثرب فألفاها قد أقفرت من أنس حبيبه رسول الله.

ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أرسل معاذاً إلى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم، ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم، فقام بما عهد إليه من أمر، وعاد إلى زوجه بحِلسِه (ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج) الذي خرج به يلفه على رقبته، فقالت له امرأته: أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهم؟! فقال: لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي، فقالت: قد كنتَ أميناً عند رسول الله، وأبي بكر، ثم جاء عمر فبعث معك رقيباً يحصي عليك؟! وأشاعت ذلك في نسوة عمر، واشتكته لهن... فبلغ ذلك عمر؛ فدعا معاذاً وقال: أأنا بعثت معك رقيباً يحصي عليك؟! فقال: لا يا أمير المؤمنين، ولكنني

لم أجد شيئاً أعتذر به إليها إلا ذلك... فضحك عمر رضوان الله عليه، وأعطاه شيئاً وقال له: أرضها به.
وفي أيام الفاروق أرسل إليه واليه على الشام يزيدُ بن أبي سفيان يقول: يا أمير المؤمنين، إن أهل الشام قد كثروا وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم بالدين فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر النفر الخمسة الذين جمعوا القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهم: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وأبي بن كعب وأبو الدرداء وقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين فأعينوني -رحمكم الله- بثلاثة منكم، فإن أحببتم فاقترعوا وإلا انتدبت ثلاثة منكم. فقالوا: ولم نقترع؟ فأبو أيوب شيخ كبير، وأبي رجل مريض، وبقينا نحن الثلاثة، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإذا رضيتم حال أهلها فخلفوا أحدكم فيها وليخرج واحد منكم إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. فقام أصحاب رسول الله الثلاثة بما أمرهم به الفاروق في حمص... ثم تركوا فيها عبادة بن الصامت، وذهب أبو الدرداء إلى دمشق ومضى معاذ بن جبل إلى فلسطين.

وهناك أصيب معاذ بالوباء، فلما حضرته الوفاة استقبل القبلة وجعل يردد هذا النشيد: مرحباً بالموت مرحباً... زائر جاء بعد غياب... وحبيب وفد على شوق... ثم جعل ينظر إلى السماء ويقول: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار وجري الأنهار... ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر... اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفساً مؤمنة. ثم فاضت روحه الطاهرة بعيداً عن الأهل والعشير داعياً إلى الله مهاجراً في سبيله...

وعن عبد الله بن رافع قال: لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل، واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ: ادعُ الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال: إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس، أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا: وما هنّ، قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [البقرة] قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها، فإنك تبارك في الصغيرة، حتى هلك.

واتفق أهل التاريخ أن معاذًا (رضي الله عنه) مات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة، واختلفوا في عمره على قولين: أحدهما: ثمان وثلاثون سنة، والثاني: ثلاث وثلاثون.
ومن جميل مواعظه ما ذكره أبو إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول: مالي أقرأ على الناس القرآن فلا
يتبعوني عليه؟ فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة.

وعن زهده ذكر مالك الداري أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم
إخوة بعضهم من بعض.

المصدر : مجلة الوعي

ليست هناك تعليقات: